|
فاتحة
(وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون؟) ، شعار قرآني اعتدنا على رؤيته في هذا الموقع ، تركيب عجيب ملفت للنظر، الناس بعضهم لبعض فتنة ؟! إن كان خصوص السبب في الآية هو الرد على قواصر العقول والأفهام الذين اعترضوا على النبي أنه (يأكل الطعام ويمشي في الأسواق), فإن عموم المعنى يشمل كل اصناف الناس وكل أنماط الطبائع, إذ لا ينسجم طبع مع طبع أو هوى مع هوى أو فكر مع فكر ويحيا الناس في فتنة هذا الاختلاف, إلا إذا انتبهوا إلى هذا المعنى الدقيق وتناولوا هذا البلسم الشافي الذي ختمت به الآية استفهاما بمعنى التوجيه والدلالة على ما يدرأ الفتنة ويحسم الشر (أتصبرون؟), صبر على قضاء الله صبر على سننه على عباده على أيامه ، أيام ما يصفو فيها يوم إلا تكدر آخر (وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور), نعم إنه الدواء الشافي والبلسم المعافي ، الصبر والتصبر ونسيان الأسى ودوام الشكر ، وكأنه لا يفهم آيات الله في أيام الله إلا من وصفته الآية بالصبار الشكور (ليس فقط الصابر الشاكر).
الإخوة والأخوات الكرام إعلموا أن أحسن أحوال أحدنا مع ربه جل وعلا هي الحال التي تترجم حقيقة عبوديته في كل حالاته وأطواره ، وما هما في الحقيقة إلا طوران نعيم وبلاء وليس الأول رضا من الله دائما وليس الآخر سخطا منه دائما ، فإخلاص العبودية يكون بالشكر هنا والصبر هناك استجابة فطرية لا يعتريها قنوط ولا تمرد عند البلاء ولا يعتريها طغيان أو استكبار عند العطاء.
لعل هذه النجوى تكون فاتحة مباركة لهذه المرحلة الجديدة في موقعنا ولعلها أيضا أساس لدعوة على مائدة الحوار والمشاركة العامرة بالنفع والمفعمة بالحب والمودة ، وفقنا الله وإياكم إلى سبيل من أحبهم وأحبوه وجنبنا وإياكم موارد البلاء ومزالق الأهواء، إنه سميع مجيب.
خليل غزال.
|